لطالما حملت لنا قصص وأشعار الماضي حكايا الحب ، كحب عنتر لعبلة وقيس لليلى.. قصص الحب التي تزين ألحان الأغاني تتراقص على أوتارها وتتصدر مشاهد المسلسلات والأفلام كمادة دسمة تجذب كل من يشاهدها لكن في أيامنا هذه أين نحن من هذه القصص فالواقع يحكي حكايته بالعزوف عن الزواج وكثرة حالات الطلاق .
- حيث يؤكد المحامي محمد غانم ذلك في حال استحالة استمرار الحياة الزوجية فالطلاق هو أحد الحلول الشرعية والقانونية بعد استنفاد كافة الفرص لإعادة المياه إلى مجاريها...
وفي كثير من الحالات يكون الطلاق بالاتفاق كما في حالة المرض او عدم الإنجاب..... مع العلم أن كثيرا من الأشخاص يقبلون بالواقع رغم قسوته من باب الوفاء والحفاظ على كيان الأسرة لما له من أهمية لا تقدر بثمن...
وفي الدخول بعمق أكثر لدراسة هذه الحالة لابد من الإشارة إلى موضوع مهم كان من ضمن أسباب ارتفاع معدل الطلاق وهو أن الاسر التي هجّرت أو فقدت معيلها أو رب أسرتها تحولت إلى سلعة في نظر البعض..
فمنهم من يبحث عن متعة رخيصة...
ومنهم من يرغب بزوجة جديدة بدون طلبات مرهقة
وبمهور منخفضة والطرف الآخر في حالة عجز وإذعان
مع توفر حسن النية.
ولكن لابد من التصويب على لب المشكلة بارتفاع معدلات الطلاق وانخفاض معدلات الزواج....
فعدم التكافؤ وتقاسم المسؤوليات والزواج المبكر
والفقر والفجوة الكبيرة بين متطلبات الحد الأدنى للحياة والدخل يعد من أهم أسباب الطلاق.
وفي المقابل من أهم أسباب العزوف عن الزواج لكلا الجنسين عدم الشعور بالاطمئنان والاستقرار
وعدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من الأحلام والتي هي حق لكل أنثى...
فالحديث عن الحصان الأبيض والفارس والرفاهية أصبح من حكايات الأطفال. وأصبحنا أمام الواقع وجهاً لوجه...
وهنا نجد الكثيرات من اللواتي عزفن عن الزواج باعتباره صندوقا مقفلا مملوءا بالمفاجآت غير السارة...
وكذلك بالنسبة للرجال فإن ضيق ذات اليد أمام الأساسيات من سكن ولوازم العيش الكريم شكلت هروباً للأمان من هذا الاستحقاق الاجتماعي
من تجربتي الشخصية كمحامي ورجل قانون
أرى أن أحد أشكال الحل قد يبدأ بتقاسم المسؤولية بشكل منطقي وعادل بين الزوجين..
فليس من المنطق أن تكون الزوجة عاملة وتتحمل أيضاً كافة الأعباء المنزلية...
فعلينا مصارحة أنفسنا والتصالح معها أمام قساوة الظروف والعمل على حماية الأسرة باعتبارها
الخلية الاجتماعية الأم لكل مشكلة ولكل حل.
لابد من إعادة هيكلة علاقاتنا ببعض... وخاصةً
أفراد الأسرة الواحدة..
فليس من المنطق أن يبقى الأولاد القادرون على العطاء كل بحسب طاقته وإمكاناته الجسدية والعمرية خارج الخدمة....
بل علينا أن نساعدهم في هذه الهيكلة لتطويرها مستقبلاً فيما يخصهم ويخص مستقبلهم
- وبالإضافة للظروف المعيشة الصعبة ودورها في العزوف عن الزواج والطلاق :تؤكد الدكتورة في علم النفس تهامة المعلم أن لوسائل الاتصال الحديثة دورا كبيرا أيضا فالتواصل متاح ولم يعد له خصوصية كما في الماضي
وأن للعزوف عن الزواج
أسبابا عديدة تدفع الشباب إلى عدم التفكير بالزواج بالمقارنة مع الإناث..
وتأتي في مقدمتها ،
الظروف الصعبة المحيطة بالحياة الزوجية،
وعدم قدرة بعض الرجال على تحمل الخلافات المتواترة
والانطباع السلبي الذين يحصلونه إما من تربيتهم الأسرية، من خلال علاقة الأب والأم
او من أقرانهم المتزوجين وعلاقاتهم مع بعض
و الظروف الاقتصادية ،والخوف من عدم وجود الزوج أو الزوجة الملائمة تعد أسبابا تساهم في العزوف عن الزواج عند الطرفين..
وكذلك انتشار البطالة في المجتمع،والفقر وانخفاض مستوى الدخل لتأمين الحياة الكريمة له دور في عدم الزواج......
أما علم النفس
فهو يرى أن لعدم الثقة وقلة الوعي الكافي والجفاف العاطفي دورا في هذه المشكلة.....
ولا يخفى أن جيل اليوم من الشباب والشابات ولدوا في عصر يتوفر فيه كل شيء،وخاصة أدوات التكنولوجيا والاتصال التي تجعلهم يتواصلون مع الجنس الآخر بكل سهولة..
ومن هنا نجد أن هذا الجيل لم يعرف قداسة الزواج والارتباط والمسؤوليات الحقيقية الملقاة على عاتقه،
فالشاب ،أو الصبية،يكتفون بالتواصل من خلال الشات والفيسبوك وتبادل الصور أو مقاطع فديو خاصة .... يجدون متعة في ذلك.....
ويرون أن الزواج ارتباط وتقييد للحرية الشخصية وحرمان من متع الدنيا وتحمل للمسؤولية .....
ومما لا شك فيه أن هذه التجارب والعلاقات تؤثر على نظرتهم للحياة أو العلاقات الزوجية....ناهيك عن كثرة الخيانات الزوجية التي أصبحت منتشرة وبشكل أوسع من الماضي نتيجة الانفتاح التكنولوجي والانترنت
طبعا هذه الأمور كافية لتجعل الجنسين في حالة قلق من التفكير بالزواج....
كما أن للفتيات دورا بارزا في عزوف الشباب عن الزواج بسبب المتطلبات المبالغ فيها
من كافة النواحي العاطفية ،الاجتماعية،المادية دون مراعاة الظروف الراهنة أو الخاصة بكل فرد...
على الرغم من نظرة علم النفس للمرأة بأنها كائن حساس بدرجة كبيرة
وإذا شعرت بعدم أهميتها ووجودها في حياة شريكها فسوف تهتز ثقتها بنفسها وسيؤدي ذلك إلى شعورها بالفراغ العاطفي
والفراغ العاطفي في الخلافات الزوجية حالة خطيرة تدمر البيوت الزوجية
فالمرأة بحاجة بشكل دائم إلى الحب والاهتمام والتواصل معها ولا ننكر دور كلمات الإطراء والمدح والغزل في تحسين مزاجها........فالمرأة تعشق بأذنها قبل قلبها....
كذلك لا نغفل دور المرأة في حياة الرجل من حيث الاحتواء والمسامحة ...ضمن الحد المعقول حيث إن أخطاء الرجل في بعض الأحيان لا تقارن بالمرأة لذلك بعض التجاهل يفيد في تجاوز الأخطاء التي قد تحصل مستقبلا.....
ويعد علم النفس العازبين والعازبات أكثر تعرضا للأمراض والصدمات النفسية والاكتئاب من المتزوجين .....
لأن الزواج له قدرة على إكساب صحة أفضل ويرجح أن السبب ،في ذلك يرجع جزئيا إلى الدعم العاطفي والاجتماعي الذي يحققه الشريك أو الشريكة
ومما لا شك فيه أن التوزان النفسي والعاطفي هما أهم عوامل نجاح العلاقة الزوجية ......
وكرأي شخصي بعد دراستي وتجاربي بمجال عملي في الإرشاد ومن الواقع أجد أن الفكرة الأساسية من العزوف عن الزواج والخوف من الفشل إن تم فيما بعد هو (الجفاف العاطفي)
وقد يتبادر إلى الذهن فورا أن مصطلح الجفاف العاطفي مرتبط بالحياة الزوجية
ولكنه في الحقيقة أشمل وأوسع شكلا ومضمونا..
فالعلاقات الإنسانية،قائمة على كتلة من المشاعر والعواطف ،والتعاملات البينية ،وعلى الظروف البيئية المحيطة بالفرد...
فالإنسان جسد، وروح يشكلان قناة أساسية للتواصل بين الجنس البشري يؤثر ويتأثر بها
وحاليا نتيجة الأوضاع والأزمة التي مرت على وطننا ،وجود الوباء المستجد في حياتنا والضغوط المادية والحياتية التي نعيشها
أصبحنا نعاني من حالة الركود والجفاف العاطفي ،وهذا بدوره زاد في التصدع النفسي والعاطفي للفرد
فأصبح غير قادر على الاستمرار بأية علاقة ،نتيجة الضغط الذي يمر به
وبهذه الحالة سيعاني من اضطراب كامل في جميع جوانب حياته ،وسيفقد القدرة على اتخاذ أي قرار وخاصة إذا كان متعلقا بحياته الشخصية....
وأخيرا ....
إن مشكلة العزوف عن الزواج مشكلة كبيرة
وهي نتاج طبيعي لمشاكل اجتماعية ،تربوية،نفسية ،وثقافية
ولحل هذه المشكلة لا بد من أن يهب جميع المعنين للالتفاف عليها والقضاء على هذه الظاهرة وآثارها السلبية على الفرد،الأسرة والمجتمع......
وبين رأي القانون وعلم النفس يبقى التفاهم والحب من أهم مقومات الزواج الذي هو رغبة بالعيش المشترك والاحتواء فالزواج خطوة من خطوات الحياة المهمة التي يجب أن تكون مبنية على أسس سليمة لا زاوية نهرب لها عند فشلنا في أمور الحياة الأخرى.
الاعلامية رشا النقري