حوار الشاعر أسامة الزقزوق
س1 - في البداية نرحب بك صديقاً وشاعراً متميزاً له بصمته الخاصة في المنجز الإبداعي والنقدي ، حصل على الجوائز المحلية والعربية والدولية وله حضوره في المنابر الثقافية الورقية والإلكترونية؟
ج1- ولك تحية أجمل ، وأنت شاعر كبير وفارس من فرسان القصيدة العربية الذين نعتز بهم ، وقبل كل ذلك صديق رائع .
س2- المكان والزمان لهما تأثير على المبدع ، فكيف كان تأثيرهما عليك أنت وعلى إبداعك خاصة ، وأنت في منطقة أحداثها ملتهبة؟
ج2- صديقي الغالي لفد كُتب علينا نحن العرب والسوريون خاصة العذاب ، فأنا وأبناء جيلي وُلدنا وترعرعنا على أنغام طبول الحرب ، تلك الحرب التي سرقت أجمل أيام حياتنا وانعكس صداها على كتاباتنا نحن الأدباء ، فالقصائد مثلاُ كُتبت على بحور الدم وتفعيلات القهر ، وأبياتها انهارت وتم تدميرها وباتت نازحة في الخيام أو غارقة في البحور اللا شعرية تتناهبها الحيتان في قيعان تلك البحار .
س3- الشعر ديوان العرب ، هل أنت مع هذه المقولة أم لا؟ وهل برأيك أن دور الشعر والشاعر ينتهي عند التوثيق والحفظ والتنديد والشجب أم ماذا ؟
ج3- الشعر ديوان العرب من ناحية تدوين التاريخ العربي بأحداثه التي كان الشعر هو الأقرب إلى مواكبتها ، ودور الشاعر عدا عن ذلك أكبر بكثير فهو لا يعكس سياسات الدول من حيث التنديد والشجب للأحداث الجارية بل يتعداها إلى وصف تلك الأحداث وإنصاف المظلومين وتوجيه أصابع الشعر إلى هؤلاء الظالمين الذين كانوا سبباً في معاناة الشعوب ، فالشاعر مقاتل إن جاز التعبير سلاحه قلمه ورصاصه الكلمات ، وكان الشعراء غبر تاريخهم الطويل مناصرين للشعوب ومناهضين للحكام الظالمين ومقاومين للاستعمار وأدواته ، فالشاعر هو رسول الكلمة إلى الأرض .
س4- يقول الشاعر كعب بن زهير : ما أرانا نقولُ إلا رجيعا ومُعاداً من قولنا مكرورا - مارأيك بهذه العبارة ؟ وهل فعلاً مايقوله الشعراء مُعاداً ؟
ج4- إن كان الشاعر العربي الحديث مازال يدور في أفلاك الفخر والمدح والهجاء فهو شاعر مقلّد وشعره مُعاد ، أما الشعراء الملتزمون بقضايا أوطانهم فأظنهم خارج المعادلة التي طرحها كعب ابن زهير، لأن الكثير من هؤلاء الشعراء كتبوا عن الحرب والنزوح والهجرة وكانوا ألسنة لأحوال هؤلاء المعذبين بل أجادوا الكتابة عنهم ورسّخوا معاناتهم في ضمائر الشعوب وعكسوا الصور الحقيقية لمكانة الشعر كمدافع عن الإنسانية .
س5- نزار قباني شاعر سوري كبير كتب في كافة أغراض الشعر العربي ، برأيك لو أنه كان حاضراً الأحداث الراهنة في سوريا فأي قصائده سينشد ؟
ج5- نزار قباني من أهم الشعراء العرب عبر التاريخ كتب الغزل فكان شاعراً مجيداً وكتب في السياسة فكان مرآة للشعوب العربية ، وهو في جميع قصائده السياسية كان يحاكي واقع الأمة العربية بمافيها سورية وكانت قصائده تصف الواقع المرير الذي عايشه وفي ذات الوقت ظلت تلك القصائد قابلة للصمود في كل المراحل لجهة مواضيعها التي تقف ضد التآمر والخيانات والتطبيع وغير ذلك من موضوعات مازال الواقع العربي يعاني منها ، ولو كان الشاعر الكبير نزار قباني حاضراً للأحداث الجارية في سورية لأصيب بالحزن العميق ولكانت قصائده قنابلَ موقوتةً في صدور هؤلاء الذي ساهموا بتدمير بلده سورية ، بلد الياسمين الذي بقي نزار عاشقه الأجمل ، ولوجّه غضبه وزلزاله الشعري لفضح كل من سّلت له نفسه النيل من بلد الحضارة الذي تم تدميره بشكل ممنهج ، وبالتالي كان سيبتكر قصائدَ جديدةً أقوى وأعنف من كل ما كتبه في الماضي .
س6- مارست العديد من أنواع الكتابة الإبداعية ، في أي منها وجدت ذاتك؟
ج6- لقد كتبتُ إضافة إلى الشعر الدراسة الأدبية بشكل أقل فصدرت لي دراسة يتيمة عن دار ديوان العرب المصرية وبعض الدراسات المتفرقة في الصحف والمجلات ، أما الشعر فهو المحور الأدبي الهام والأوحد الذي أمارسه وأجد فيه ذاتي ، لأن الشعر صديق الطفولة وقد كتبت بعض قصائدي في مرحلة مبكرة من عمري المتجذر فيها .
س7- لديك كتاب نقدي عن سعد اسحق سعدي، مالذي أغراك بالكتابة عنه؟
ج7- هناك علاقة جيدة تربطني بشقيقه الذي حدّثني عن الشاعر الراحل على أثر مرض عضال في الغربة فأغواني لقراءة قصائده العمودية وهو النول الوحيد الذي كان ينسج عليه الشاعرقصائده ، وفعلاً قرأتها ووجدتُ فيها جمالاً من حيث الموضوع والصياغة الفنية ولفت نظري فيها التوجّه الإنساني الذي يغلف تلك القصائد ، ومن هنا كتبت دراستي وعنونتها : النزعة الإنسانية في شَعر سعد اسحق سعدي ، التي صدرت كما ذكرت لك عن دار ديوان العرب في مطلع العام الجاري وعلى نفقة تلك الدار المهتمة بالإبداع فقط .
س8- القصيدة الخليلية أين هي الآن من ساحة الشعر العربي؟ وهل استطاعت بالفعل مجاراة الحداثة بتراكيبها وصورها ودلالاتها؟
ج8- أنت شاعر مهم ولا يفوتك أن الشعر العمودي مازال يكتبه كبار الشعراء العرب الآن وقد طوّروا في كتابة هذا النوع من الشعر القريب من ذهنية المتلقي ، وظل هو وقصيدة التفعيلة يتصدران المشهد الشعري العربي الحديث في ظل تراجع واضح لقصيدة النثر التي مازالت تبحث عن هويتها ، والقصيدة العمودية تطورت من حيث الاختزال وتكثيف الصورة الشعرية عند أغلب الشعراء الذين أظهروها بأبهى حللها.
س9- هل أنت ممن ينتظرون القصيدة حتى تأتيهم أم أنك تباغتها في وكرها وتذهب إليها ؟ وماهي أهم طقوسك في كتابة القصيدة ؟
ج9- لا طقوس لديّ ، فأحياناً أنتظر القصيدة فتأتي في وقت مبكر وأحياناً تتأخر في الزيارة ، وفي أحيان أخرى أهاجمها في وكرها حسب الحالة الشعرية ، ولكن في جميع الحالات تولد القصيدة كاملة ومتوهجة وهذا هو الأهم فعندما يهاجمني الحزن تلبس القصيدة جلباباً أسودً وحين يداهمني الفرح على قلته تعشب القصيدة وتكتسي بثوبها القشيب .
س10- حصدت العديد من الجوائز الأدبية ، حدثنا عنها وكيف أثرت عليك؟
ج10- الجوائز هي الأساور التي ترتديها القصائد ، وكانت الجوائز التي حصلت عليها منتقاة بعناية رغم أن الآخرين هم المانحون ، فالجائزة الأولى كانت جائزة الزبّاء 2005 عن قصيدتي : القدس – صرخة عربية في تدمر معقل زنوبيا – الملكة الزبّاء ، أما الجائزة التي تلتها فكانت في عام 2007 2008 جائزة وزارة الثقافة السورية عن ديواني : آزخ وقصائد أُخرى ، تلتها جائزةسفنكسلأدب العشق فيمصر عنقصيدتي : مدينةعشق2010 وبعدها جائزةعمرأبيريشةفيالسويداءعنقصيدتي : فراشةالوقت 2013 وجائزةغسانكنفانيفيرامالله عنقصيدتي : نازحون 2015ومن ثم قلادةالجواهريالذهبيةفياستراليا عنقصيدتي : منسيّونعلىقارعةالحرب 2017 تلتها جائزةأوصمانصبريفيالقامشليمسقط رأسي عنقصيدتي: مهاجرغيرشرعي 2017 و بعدها جائزةمانديلاالعالميةللآدابفيتشاد عنديواني : المُستثنىبحبّها 2021 وجائزةالاتحادالعربيللثقافةعنكاملتجربتي الشعرية 2020وغيرها .
س11- ماهي القصيدة التي لم تكتبها بعد وتحلم أن تراها تزغرد في كل بيت عربي ؟
ج11- هناك العديد من القصائد التي أحلم بكتابتها وسأفصح عنها في وقتها.
س12- من أشهر القصص التي تروق لي في التراث العربي قصة الشاعر علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل ، تلك القصة التي قال فيها الشاعر البدوي الصحراوي حين قدم إلى بغداد للمرة الأولى وآثر أن يبدأ عهده بمدح المتوكل : أنتَ كالكلب في حفاظك للودّ وكالتيس في قراع الخطوبِ أنتَ كالدلو لاعدمناك دلواً من كبار الدلا كثير الذنوبِ – عرف المتوكل عنه حسن مقصده وخشونة لفظه لعدم اختلاطه بسوى تلك التعابير في البادية لذلك أمر له بدار على شاطئ نهر دجلة وبستان يدخله النسيم ليغذي الروح وأقام فيها مدة ستة أشهر ثم استدعاه الخليفة لينشد شعراً فقال :
عُيونُالمَهابَينَالرُصافَةِوَالجِسرِ جَلَبنَالهَوىمِنحَيثُأَدريوَلاأَدري
أَعَدنَلِيَالشَوقَالقَديمَوَلَمأَكُن سَلَوتُوَلكِنزِدنَجَمراًعَلىجَمرِ
سَلِمنَوَأَسلَمنَالقُلوبَكَأَنَّما تُشَكُّبِأَطرافِالمُثَقَّفَةِالسُمرِ
وَقُلنَلَنانَحنُالأَهِلَّةُإِنَّما تُضيءُلِمَنيَسريبِلَيلٍوَلاتَقري
حتى فال المتوكل : كفى ..كفى.. حتى لايذوب رقة وعذوبة .
تُرى برأيك لو لم تكن من قاطني سوريا بكل مافيها من أحداث دامية ، هل سيختلف شعرك عما عليه الآن من وجع وألم ؟
ج12- بالتأكيد لا ، فأنا أود الكتابة عن المرأة وعن الحب لا عن الحرب والدمار ، فقد كانت قصائدي كما لاحظت في سردي للجوائز مواكبة للأحداث فكتبت عن الحرب وعن الهجرة والنزوح والوطن فحصدت تلك الجوائز بسبب صدقها وعفويتها .
س13- تقول في إحدى قصائدك : قلتُ للحرب: كفّي بلاءكِ عنّا فأجهش كلبٌ يعيشُ على جثثٍ بالبكاءْ قلتُ للكلبِ: يكفي ..أمَا قد شبعتَ؟ فجاوبني: سوف أشبعُ يا سيّدي عندما يشبع المجرمون من القتلِ أوْ حين من موتهمْ يشبعُ الأبرياءْ !
برأيك ماهو الحل ومالمخرج للعالم ولسوريا للخروج من الأزمة الراهنة ؟
ج13- هذه القصيدة من ديواني: يكفي الصادر عن دار الفراعنة في مصر 2019 وقصائد هذا الديوان مكتوبةٌبمداد الحزن ومرتديةٌ عدة الحرب في عالم بلا فرح ...مكتوبة ٌعن أوجاع الأطفال وآلامهم وهم يواجهون الموت واليتم والتشرّد ، عن غصّات الأمهات الأرامل وهنّ ينتظرنَ أولاداً لن يعودوا ، أما عن الحل والمخرج فلا يعلمه إلا ساسة الحروب ، أما الشعراء فهم بعيدون كل البعد عن حساباتهم الملوّثة بدموع الأبرياء وعرقهم .